كان أو ما كان

كان يهديها اللؤلؤ
داليا صلاح الدين

تحسست لآلئها بامتنان... طمأنت قلبها...
 

نعم.. كان هناك.
 ربما لو بدأت تعد لآلئ العقد المصفوف حول رقبتها الرقيقة، لقتلت الزمن... بعض الشئ.
الطريق مزدحم بصورة خانقة، السيارات متراصة على الطريق، مد البصر، و كأنها قوالب معدنية تعانق الأسفلت. أصوات الباعة المتجولين تشوش عليها تفكيرها: كم أحصت من حبات اللؤلؤ؟
ترددت أن تصرف بائع المناديل اللحوح، منكسر القلب. ابتاعت منه كيسين صغيرين كي ينصرف عنها. أغلقت نافذة السيارة لتحجب رائحة الدخان. دائما تخنقها رائحة الدخان.. إلا دخانه.
كان دائما يسخر من "رقتها المبالغ فيها" على حد قوله، إذا ما اشتكت من غبار سيجارته. لم يفهم أبدا أن و هي معه، لا تصل إليها رائحة الدخان النفاذة التي تكون سحابة حول يده. كانت فقط تخشى على صدره من الإحتراق. أخبرته مرة أنها لا تشعر برائحة السيجارة و هي بين أصابعه. ضحك معجبا بكلماتها العذبة، حتى بانت أسنانه المصفوفة بحرص تحت شاربه. كان شديد السمرة.. أسنانه شديدة البياض.. ضحكته ساخرة، شديدة الرنين، تأتي من أعماق ما بداخله.
أحبته، و أحبت ضحكته.... كانت تُذكرها دائما بصفوف اللؤلؤ المتراص على قطعة قطيفة مخملية سوداء. سألته كيف يحافظ على بياض أسنانه من الدخان. أعجبه السؤال، فضحك ضحكته الرنانة. أخذتها ضحكته و قدرته على انتزاع الضحكة من تلك الأعماق... سألته عن ضحكته، فضحك أكثر، و برقت عيناه المشاكستان.
أزعجها رنين الهاتف المحمول. كيف تستطيع الفكاك من صديقتها الغالية؟
* نعم يا عزيزتي، سأحضر العشاء. و لكني سأنصرف مبكرا.
** لن تنصرفي قبل اطفاء الشموع. زوجي و أخيه سيحضران الحفل، ماذا سترتدين؟
* لآليء
** فستانك الأزرق ينير وجهك.
* أحتار بين العقد الثلاثي الصفوف، و بين السلسلة ذات اللؤلؤة الواحدة. أُفَضِل اللؤلوة المستديرة، استدارتها تذكرني برسم البدر في السماء. تذكرين يوم رآني بها أول مرة؟ تذكرين ماذا قال؟
** لا أظنه يتذكر.
* الطريق مزدحم بصورة منهِكة، و يومي كان طويلا مجهدا. المحاضرة التي ألقيتها في مركز الدراسات الهيروغلافية كانت ناجحة و الحمد لله. لم يزعجني إلا سؤال واحد لم يكن عندي له إجابة، و لكن الله ألهمني إجابة أخرجتني من الموقف. دعواتك بالتوفيق يا عزيزتي. علىّ أن أنهي المكالمة حتى لا أنشغل عن الطريق.
** أراكِ في المساء؟
* طبعا، إنشاء الله.
دائمة مؤلمة، تلك الصديقة! يزعجها إنكارها الدائم للحقيقة الوحيدة في حياتها. عبثت بالسوار اللؤلؤي الملتف حول رسغها، و فكرت أن تطلب منها أن تتوقف عن سخفاتها هذه. ألم يكفها ذلك السؤال السخيف الذي واجهها اليوم؟ وقفت الفتاة الروسية تتحداها بسؤال سخيف، أجابت عليه بمنتهى الذكاء و الحنكة، حتى صفقت لها القاعة كلها. و لكنها كادت تجرح إصبعها من كثرة ما أدارت خاتمها اللؤلؤي حوله، في حركة ضاغطة سريعة و كأنها تعصر حب الرمان. لم تنتبه إلا و الدم القاني يكاد يتفجر من تحت جلدها..
انتبهت إلى الطريق. أخيرا بدأت حركة السير في الإنفراج. فتحت نافذة السيارة بسرعة حين لاحظت محلات العطارة المنتشرة على طريق الأزهر. تأخذها روائح البخور و العطارة لعالم آخر. تستهويها خاصة رائحة المسك. دائما ما تعطر سيارتها بالمسك الأبيض. يوم أوصلته للمطار، قال لها أنها تشبهه برائحة الجنة. لم تخبره بالسر. أسعدها تعجُبه: "رائحتك تذكرني بالجنة... أنت حورية من الجنة".
كثيرا ما كان يُناديها "يا حورية". و أحيانا أخرى "يا لوليّة"، ليعبر عن انبهاره ببشرتها المرمرية. و في مرات، أطلق عليها اسم الـ "ياسمين"! دائما كان يروي لها، أنها نبتت في حياته في ليلة و ضحاها، فلطفتها، كزهرة ياسمين نابتة بين شقوق صخرة في الصحراء.
كيف عرف أن الياسمين زهرتها المفضلة؟! كانت تهوى فيه كل الأشياء. كان ذكيا لماحاً في عينيه بريق، يشتعل و يخبو، كوميض النجم المغترب في السماء. و كان ضحوكا بشوشا، لضحكته الرنانة صدىً، كزئير الأسد الجريح!
وصلت إلى مدرسة ابن أختها الصغير. خرجت من السيارة مسرعة لتلحق بالصبي الصغير. أغلقت السيارة بحرص بمفتاحها المتعلق في الميدالية ذات السبع لؤلؤات. أسرعت إلى حارس المدرسة تسأل عن الصغير، تأخرت عليه من شدة الزحام... ابتسمت لحظة أن رأته يجري إليها و يبدأ في سرد أحداث يومه. "يا خالتي اليوم حصلت على الدرجة النهائية في الحساب. و المدرس أهداني نجمة لتفوقي!"
"كيف يحصل انسان على الدرجة النهائية في الحساب؟ غريب أمر هذا الغلام. أحبه، رغم حبه للحساب!"
ظهر مدرس الحساب من خلفه و كأنه كان هناك، و لم تره. "ابن أختك فتى ذكي، أكيد لأنك خالته."
أزعجتها كلمات المدرس، فهي لا تحب الحساب، و لن تحبه.
أمسَكـتْ بيد الصغير وعبرت به الشارع. أصر الصبي على أن يُريها نجمته. قبلته على جبينه و انطلقت بالسيارة تفكر في النجوم. كل النجوم تذكرها بعينيه. ذلك الشعاع البراق الذي وجهه إليه و هو يودعها، ما زال يتملكها. جلسا في مطار القاهرة، يحتسيان القهوة و يتجاذبان أطراف الحديث. أشاح بوجهه عنها كلما نظرت إليه. لم تفهم هل هو الخجل، أم خشية الله. طلب منها أن تتحرر منه... فسفره قد يطول. غضبت لحظة، وسألته: "ألن تفتقدني أبداً؟" استدار إليها فجأة و نظر إليه بغضب أشع من عينيه بريق أخافها. ثم ضحك، ضحكته الساخرة الصارخة كزئير الأسد الجريح...
تركت السيارة في مكان الإنتظار، وحملت الغلام النائم إلى المصعد. عانقت أمها الطيبة وسلمتها الغلام. مادام هو مع جدته، فهو في أمان. كانت منهكة، ويجب عليها أن تسارع بالإستعداد للحفل.
في حجرتها بدأت تفتش بعينيها بين لآلئها. "أيهم أتخير؟"
اختارت الثوب الأسود المخملي، و زينته بلآلئها بسرعة بعد أن عطرت نفسها بالمسك الأبيض، تخيرت اللآلئ بحرص شديد، و كأنها ستلقاه هناك، فينظر إليها نظرة سريعة، يشيح بوجهه بعدها و يُسر إليها بأنه قد أُسِر فيها... أحَبَ اللآلئ لأنها تحبها،   و لأنها أكثر جمالا حين ترتديهم، كما كان يكرر على آذانها كلما رآها تتزين بهم. و كانت دائما تزدان بهم.
أوقفتها أمها عند باب المنزل و كادت تبكي "يا بنتي، ارحمي عمرك. كل هذا الجمال... لمن توفرينه؟ كفاكِ أوهاما." ابتسمت لأمها في صمتٍ، و خرجت إلى الحفل.
بحثت عن ركن هادئ، لتستمتع بعزف البيانو، بعيدا عن الصخب. تبعها أخو الزوج، و ظل يثرثر في رأسها عن "البوتاجاز" الذي اشتراه حديثا ليتمم تهيئة المطبخ الحديث. لم تفهم سر اهتمامه بالمطبخ، و لكنها جاملته بابتسامة. جذبتها صديقتها، صاحبة الحفل، و حكت لها عن الرجل، فهو متواضع لا يحكي إلا عن المطبخ، و يُخفي السيارة والشقة ذات السبع حجرات. أكدت لها أنه رجل أعمال ناجح و لا يهمه إجادة الطبخ. فعنده ما يعينه على تكاليف الخدم.
عبثت بيد الحقيبة السوداء الصغيرة أثناء حديث صديقتها. كادت تبكي حين سقطت حبة اللؤلؤ من السلسلة التي تشكل يد الحقيبة. أمسكتها بأصابعها الرقيقة و وضعتها بداخل الحقيبة. أغلقت الحقيبة بحرص. اللؤلؤ يذكرها به. كانت تحكي له عن حبها للؤلؤ... فاللؤلؤ يذكرها بالبدر في الليالي الصافية، ويذكرها بالدمع و الضحك معا، و كل المشاعر الصافية. تمنت أن يهديها و لو لؤلؤة واحدة، تبقى معها، لتذكرها به، لتحتضنها حين تغفو في بعض لياليها. انصرفت من الحفل وهي مشغولة البال، كيف تعيد حبة اللؤلؤة إلى يد الحقيبة، و أي نوع من الغراء تستخدم بدون أن تشوه شكلها الجميل؟
استقبلتها أمها بنفس الكلمات: "يا بنتي حرام عليكي نفسك..."
أغلقت باب الحجرة الأبيض عليها لتهيئ نفسها للنوم. ألقت بثوبها الأسود جانبا و وقفت أمام الصندوق العاجي الصغير، المرصع باللآلئ الملونة. ارتعشت يداها و هي تفتحه. نفس الرعشة كل ليلة. نظر إليها بعيناه البرّاقة... و ضحك حتى بدت أسنانه اللؤلؤية. تذكرت كلماته: "لا يحل لأميرة غيرك أن ترتدي اللؤلؤ".
تدثرت بغطاء السرير وهي تتأمل الصورة، يا تُرى، يفكر فيها الآن؟ هل تغير شكله؟ ازداد الشيب في رأسه؟ نظمت لآلئها في الصندوق، و وضعت فوقهم الصورة بحرصٍ شديد. أغلقت الصندوق وضمته إلى صدرها بقوة. تذكرت كلمات صديقتها السخيفة. احتضنت صندوقها و أطفأت نور المشكاة الملاصقة للسرير، و أغمضت عينيها و غرقت في نوم عميق. رأته في المنام... كان يُهديها اللؤلؤ.